الأقلام المأجورة أم المجبورة؟

في خضم الصراعات السياسية والإعلامية والفكرية التي يعيشها العالم اليوم، لم تعد المعركة تُخاض بالسلاح وحده، بل أصبحت الكلمة أحد أخطر الأسلحة تأثيراً في تشكيل الوعي وتوجيه الرأي العام. ومن هنا برزت تساؤلات كثيرة حول حقيقة بعض الأقلام التي تتصدر المشهد: هل هي أقلام مأجورة باعت ضميرها لقاء المال والمصلحة، أم أنها أقلام مجبورة خضعت للخوف والضغط والتهديد؟

قد يبدو للوهلة الأولى أن هناك فرقاً واضحاً بين “المأجور” و”المجبور”، فالأول اختار بإرادته أن يبيع الحقيقة، بينما الثاني وقع تحت ضغط الظروف والخوف من العواقب. لكن عند التأمل في النتيجة النهائية، نجد أن كليهما يؤدي الدور ذاته: تزييف الوعي، وتبرير الباطل، وإضعاف صوت الحقيقة.

إن القلم لا يُقاس فقط بدوافع صاحبه، بل بما يتركه من أثر في المجتمع. فالكلمة التي تُستخدم لتضليل الناس تبقى خطراً سواء كُتبت بدافع الطمع أو بدافع الخوف. ولهذا يرى البعض أن “المأجور” و”المجبور” وجهان لعملة واحدة، لأن كليهما اختار في لحظة الاختبار أن ينحاز إلى السلامة الشخصية أو المصلحة على حساب الحقيقة.

فالإنسان لا يُختبر حين تكون المواقف سهلة، بل حين يصبح قول الحق مكلفاً. هنا تظهر الأخلاق الحقيقية، وتُعرف معادن الرجال. إن مواجهة المصير بشجاعة فضيلة لا يمتلكها الجميع، لكن التاريخ لم يخلّد الصامتين ولا المبررين، بل خلد أولئك الذين تمسكوا بمواقفهم رغم التهديد والخسارة.

ولا يعني ذلك تجاهل حجم الضغوط التي قد يتعرض لها البعض، فهناك من يُحاصر بالخوف أو الحاجة أو التهديد المباشر، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الخوف إلى مبرر دائم للتنازل، وعندما يصبح الصمت أو التبرير وسيلة لحماية المصالح الشخصية. عندها لا يعود “الإجبار” عذراً كاملاً، بل يتحول إلى نوع من المشاركة غير المباشرة في تكريس الزيف.

إن المجتمعات لا تنهار فقط بسبب قوة الباطل، بل أيضاً بسبب صمت من يعرفون الحقيقة ويخشون قولها. فالكلمة مسؤولية، والقلم أمانة، ومن يملك القدرة على قول الحق ثم يتراجع خوفاً أو طمعاً، فإنه يساهم – بصورة أو بأخرى – في صناعة الواقع الذي يشتكي منه لاحقاً.

وفي النهاية، يبقى القلم الحرّ هو القلم الذي لا يُشترى، ولا يُرهب، ولا يساوم على الحقيقة مهما كانت التكاليف، لأن قول الحق ليس مجرد موقف سياسي، بل قيمة أخلاقية وإنسانية ُتعبّر عن صاحبها وصدق ضميره

احمد نبيل محمد البو باقر (آل شبل)
9/5/2026

عن الكاتب

أحمد نبيل الشبل، كاتب وباحث مهتم بالشأن الثقافي والفكري ونشر المعرفة الهادفة

أحدث المقالات