بقلم: أحمد نبيل آل شبل
منذ انتهاء المعركة مع تنظيم داعش الإرهابي، يتكرر في المشهد السياسي والإعلامي العراقي حديثٌ لا ينقطع عن “سلاح اللا دولة”، حتى تحوّل هذا المصطلح إلى شعار يُتداول أكثر مما يُناقش، ويُرفع أكثر مما يُفكّك ويُفهم. وبين ضجيج الخطابات وتضارب المواقف، يصبح من الواجب على أصحاب الأقلام الوطنية أن يضعوا الحقائق أمام الرأي العام بعيداً عن حملات التضليل والتجييش الإعلامي التي تتغذى على الانقسام وتستثمر في الفتنة.
إن السلاح الذي يُشار إليه اليوم لم يولد في ظروف اعتيادية، ولم يظهر في مرحلة استقرار سياسي أو أمني، بل نشأ في واحدة من أخطر المراحل التي مرّ بها العراق الحديث، عندما اجتاحت عصابات داعش الإرهابية مساحات واسعة من البلاد، وهددت وجود الدولة نفسها، وسعت إلى فرض مشروع قائم على التكفير والإقصاء والقتل. في تلك اللحظة التاريخية الحرجة، لم يكن الخطر موجهاً ضد مكوّن بعينه، بل ضد العراق بأكمله، أرضاً وشعباً ومؤسسات.
لقد كان ذلك السلاح، في جوهره، سلاح الناس الذين لبّوا نداء الدفاع عن وطنهم، وسلاح أبناء العراق الذين رفضوا الاستسلام لمشروع الظلام والإرهاب. ومن خلاله تحطمت رهانات كثيرة كانت تراهن على انهيار الدولة العراقية أو تقسيمها أو تحويلها إلى ساحة نفوذ دائم للقوى الخارجية التي لم تكن تنظر إلى العراق إلا بوصفه رقعةً جيوسياسية لتحقيق مصالحها.
وإذا كان الهدف من هذا السلاح هو تقويض الدولة كما يروّج البعض، فكيف يمكن تفسير حقيقة أنه ساهم في استعادة المدن، وحماية المؤسسات، ومنع سقوط “الدولة”، وإسناد القوات الأمنية في واحدة من أعقد الحروب التي خاضها العراق؟ وكيف يمكن تجاهل حقيقة أن آلاف الشهداء الذين ارتقوا في ساحات القتال كانوا يدافعون عن الدولة وعن الشعب وعن وحدة البلاد؟
لقد اختلطت دماء العراقيين في ميادين المواجهة؛ دماء الجيش والشرطة والحشد وسائر التشكيلات الأمنية والمتطوعين. ولم تكن المعركة معركة فئة ضد أخرى، بل كانت معركة وطن ضد مشروع إرهابي عابر للحدود أراد أن يمحو هوية العراق وتاريخه ومستقبله.
ومن هنا يبرز السؤال المشروع: أين الدليل القاطع على أن هذا السلاح وُجّه إلى صدور العراقيين؟ وأين البرهان الذي يثبت أنه أُنشئ لهدم الدولة لا لحمايتها؟ إن الاتهامات المجردة من الأدلة لا تصنع حقائق، كما أن التكرار الإعلامي لا يحوّل الادعاء إلى واقع.
إن أخطر ما يواجه العراق اليوم ليس السلاح الذي واجه الإرهاب، بل الخطاب الذي يتغذى من مقدرات”الدولة” ويسعى إلى تشويه التضحيات الوطنية وتحويل صفحات الفداء إلى مادة للصراع السياسي وترسيخ “الادولة”. فبعض الجهات، مدفوعة بأجندات داخلية وخارجية، تحاول إعادة صياغة الوعي العام عبر تصوير من قاتل الإرهاب على أنه مشكلة، بدلاً من الاعتراف بدوره في منع انهيار الدولة.
إن بناء الدولة لا يتحقق بالشعارات، بل بالإنصاف والاعتراف بالحقائق واحترام التضحيات. والدولة القوية لا تُبنى على إنكار تاريخ أبنائها، وإنما على استثمار عوامل قوتها وتعزيز وحدتها الوطنية. أما حملات التشويه التي تتغذى على الكراهية والانقسام، فهي في حقيقتها لا تخدم مشروع الدولة، بل تمنح أعداء العراق فرصة جديدة لضرب استقراره وإثارة الفتن بين أبنائه.
ويبقى الثابت الذي لا يمكن إنكاره أن من قدّم روحه دفاعاً عن العراق لم يكن يقاتل من أجل “اللا دولة”، بل من أجل أن تبقى الدولة قائمة، وأن يبقى العراق موحداً، وأن لا ترتفع فوق ارضه راية الارهاب من جديد