أخذ راحة من الراحة !
———
عادةً ما تكون الراحة محطةً تأتي بعد كل جهد يُبذل، سواء كان جهداً ذهنياً أو بدنياً، في العمل تارة، أو في مواجهة صعوبات الحياة وتحدياتها وضغوطات المعيشة تارةً أخرى، أو ما شابه ذلك من أعباء تستنزف الإنسان بصورة يومية.
لكن، توجد فئة من الناس — وربما هي فئة كبيرة — تأخذ من الراحة أكثر مما تحتاج، بمعنى أنهم لا يعيشون معاناة حقيقية مما ذُكر أعلاه، حتى بات ينطبق عليهم المثل المشهور:
“أنا مشكلتي ما عندي مشكلة”.
ومع مرور الوقت، تتحول الراحة من نعمة إلى حالة خمول مزمنة، ويصبح الإنسان أسيراً للفراغ بدل أن يكون سيداً لوقته. فالعقل الذي لا يُشغل يستهلك نفسه بنفسه، والإنسان الذي لا يواجه تحدياً حقيقياً يبدأ باختراع المعارك الوهمية والمشكلات الثانوية ليملأ ذلك الفراغ القاتل.
وهنا تظهر المفارقة الغريبة؛ فبعض الناس لا يتعبهم العمل، بل يتعبهم غياب المعنى. فالراحة الطويلة ليست دائماً راحة، بل قد تكون استنزافاً بطيئاً للطاقة والطموح والشغف، لأن الإنسان خُلق للحركة والسعي والتجربة، لا للبقاء في منطقة آمنة لا يتغير فيها شيء.
إن أخذ “راحة من الراحة” أصبح ضرورة عند البعض، لا بمعنى البحث عن التعب لأجل التعب، بل البحث عن هدف، وعن إنجاز، وعن مسؤولية تُشعر الإنسان بقيمته الحقيقية. فحتى أبسط المهام عندما تحمل معنى، تصبح سبباً في استعادة التوازن النفسي والشعور بالحياة.
المشكلة ليست في الجلوس أو الهدوء أو الاسترخاء، بل في أن تتحول الراحة إلى أسلوب حياة دائم يُطفئ الحماس تدريجياً. فالركود الطويل يجعل الأيام متشابهة، ويجعل الإنسان يعيش على هامش الحياة لا في قلبها.
ولعل أخطر أنواع التعب هو ذلك الذي يأتي من الفراغ؛ لأن تعب الجسد يُعالج بالنوم، أما تعب الروح الناتج عن اللاشيء فلا يعالجه إلا الشغف والسعي والتغيير.
لهذا، أحياناً نحن لا نحتاج إجازة من العمل…
بل نحتاج عملاً يوقظنا من إجازةٍ طويلة أخذناها من الحياة نفسها
احمد نبيل آل شبل
14/5/2026